يس دعبس يكتب: الثقة الأسرية.. الداعم الأول لتفوق الأبناء في الثانوية العامة

تُعدّ مرحلة الثانوية العامة من أكثر الفترات حساسيةً في حياة الأبناء، إذ تشهد تغيرات نفسية، اجتماعية وعاطفية كبيرة.
في هذه المرحلة، يسعى المراهقون إلى تحقيق الاستقلالية وإثبات ذواتهم، بينما يواجه الآباء تحديًا في تحقيق التوازن بين تقديم الدعم والإرشاد دون فرض سيطرة مُفرطة. وهنا تبرز أهمية الثقة كعنصر أساسي في بناء علاقة صحية ومتينة بين الطرفين.
أهمية الثقة في العلاقة بين الآباء والأبناء
تلعب الثقة دورًا محوريًا في تكوين شخصية المراهقين وتوجيه سلوكياتهم. عندما يشعر الأبناء بأنهم محل ثقة، يصبحون أكثر استعدادًا لمشاركة أفكارهم ومشاعرهم مع والديهم، مما يُسهّل على الآباء فهم احتياجاتهم وتقديم الدعم المناسب. كما أن الثقة تُعزز احترام الذات لدى الأبناء، وتُنمّي لديهم القدرة على اتخاذ قرارات صائبة دون اللجوء إلى الكذب أو التمرد.
كيف يمكن بناء وتعزيز الثقة؟
الاستماع الفعّال والتواصل المفتوح
يجب على الآباء توفير بيئة آمنة تُشجّع الأبناء على التعبير عن آرائهم دون خوف من العقاب أو السخرية. الإنصات إليهم باهتمام يعزز لديهم الشعور بأهمية أصواتهم وأفكارهم.
التقدير والاحترام
يحتاج المراهقون إلى الشعور بالاحترام من قبل والديهم. التعامل معهم بجدية، وتقدير جهودهم، والابتعاد عن الانتقادات اللاذعة، يساعد في بناء جسر من الثقة المتبادلة.
التوازن بين الحرية والمسؤولية
منح الأبناء حرية اتخاذ القرارات مع توجيههم نحو التفكير النقدي يساعدهم على تحمل المسؤولية. من الضروري أن يُدركوا أن الحرية تأتي مع تحمل العواقب، مما يعزز لديهم الشعور بالمسؤولية.
تجنب العقاب القاسي
العقاب القاسي أو التوبيخ المستمر يؤدي إلى انهيار الثقة، ويدفع الأبناء إلى إخفاء أخطائهم بدلًا من الاعتراف بها. من الأفضل اتباع أساليب تربوية تعتمد على الحوار والتوجيه بدلاً من القمع.
القدوة الحسنة
يتعلم الأبناء من تصرفات آبائهم أكثر مما يتعلمون من نصائحهم. عندما يرى الأبناء آباءهم يتصرفون بنزاهة وصدق، فإنهم يكتسبون هذه القيم ويطبقونها في حياتهم اليومية.
التفتيش في الهواتف الشخصية: بين الرقابة والثقة
مع انتشار التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الهاتف المحمول جزءًا لا يتجزأ من حياة المراهقين، مما يدفع بعض الآباء إلى تفتيش هواتف أبنائهم بدافع حمايتهم من المخاطر المحتملة. ومع ذلك، فإن هذا التصرف قد يترك آثارًا سلبية على العلاقة بين الطرفين:
انتهاك الخصوصية: يشعر المراهقون بأن تفتيش هواتفهم انتهاك لخصوصياتهم، مما قد يؤدي إلى فقدان الثقة في والديهم.
اللجوء إلى إخفاء الأمور: عندما يدرك الأبناء أن آباءهم يراقبونهم باستمرار، قد يلجؤون إلى طرق سرية لإخفاء نشاطاتهم بدلاً من التحدث بصراحة عن مخاوفهم.
خلق جو من التوتر والعداء: يمكن أن يؤدي التفتيش المتكرر إلى خلق بيئة غير مريحة بين الآباء والأبناء، مما يدفعهم إلى الابتعاد عن النقاشات المفتوحة.
عدم السماح بخروج الفتيات مع أصدقائهن: بين الحماية والقيود
في بعض الأسر، تُفرض على الفتيات قيود مشددة فيما يتعلق بالخروج مع الأصدقاء، وذلك بدافع الحماية والمحافظة على القيم العائلية. ورغم أن الهدف من هذا القرار هو الحرص على سلامتهن، إلا أنه قد يؤدي إلى بعض التحديات:
الشعور بعدم الثقة: قد تشعر الفتيات بأن الآباء لا يثقون في قدرتهن على اتخاذ قرارات مسؤولة.
الرغبة في التمرد: عندما تكون القوانين صارمة جدًا دون نقاش أو تبرير منطقي، قد يدفع ذلك الفتيات إلى محاولة الالتفاف عليها بطرق غير مباشرة.
التأثير على التطور الاجتماعي: بناء العلاقات الاجتماعية الصحية أمر مهم في هذه المرحلة، ومنع الفتيات تمامًا من التفاعل مع أصدقائهن قد يؤثر على مهاراتهن الاجتماعية مستقبلًا.
البحث عن حلول وسط
بدلاً من المنع المطلق، يمكن اتباع نهج متوازن:
وضع شروط واضحة للخروج: مثل تحديد أماكن آمنة ومعروفة للعائلة.
التواصل مع الأصدقاء وأسرهم: لضمان بيئة اجتماعية آمنة.
التوعية بدلاً من المنع: توجيه الفتيات لكيفية التصرف بحكمة في المواقف المختلفة بدلاً من فرض قيود صارمة.
في النهاية الثقة بين الآباء والأبناء ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي عملية تحتاج إلى جهد مستمر من الطرفين. وعندما ينجح الآباء في تحقيق التوازن بين التوجيه والاحترام، فإنهم يساعدون أبناءهم على بناء شخصية قوية ومسؤولة، مما يُسهم في تكوين جيل واعٍ قادر على التعامل مع تحديات الحياة بثقة واستقلالية.